القمة الأفريقية..هل سيحقق العقيد القذافي آمانيه؟

03/07/2009

 

عشر سنوات تقريبا مضت من عمر الاتحاد الأفريقي ولا جديد على صعيد تفكيك أزماته واحتواء تناقضاته.
 
 فقد أُعلن عن تأسيس الاتحاد في ظروف متفجرة، وفي أحسن الاحوال متوترة، في السودان والصومال ومدغشقر وموريتانيا وغينيا بيساو والكونغو ودول أخرى، وهي اليوم ليست أكثر استقرارا حتى مع حدوث انفراجات كالتوافق بين الانقلابيين والمعارضة في موريتانيا. وقام الاتحاد والفقر يضرب أطنابه في القارة السمراء، وهي اليوم أكثر فقرا ونسبة عالية من سكانها يواجهون الموت بسبب الجوع والمرض. فنصف سكان القارة هم تحت خط الفقر، والثلث يواجهون مجاعة ماحقة. ثلثي المصابين بمرض الأيدز في العالم من سكان أفريقيا، ويتسبب المرض في وفاة نحو 7 آلاف يوميا، ويتطلب مكافحة انتشار المرض رصد 3 مليارات دولار سنويا، وهي مصورفات تتعلق بالعناية الصحية والوقاية ولا يدخل ضمنها كلفة توفير الدواء وهي عالية جدا.
 
والجدير بالذكر أن معظم جهود مكافحة المرض تاتي من خارج القارة، وتمكن البنك الدولي من جمع 1.5 مليار دولار منذ عام 2000، وهو ما يعادل فقط نصف كلفة مكافحة المرض سنويا.
 
تكتلات إقليمية بنتائج متواضعة
 
تعددت التكوينات الإقليمية الأفريقية وعكست التكوينات تعدد الانتماءات واختلاف المصالح بين الدول الأفريقية.  وقد وصل عدد هذه التكتلات إلى حوالي 15، تمتد من شمال القارة إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها. فمنذ نشأة منظمة الوحدة الأفريقية منتصف الستينات الماضية تأسست الكوميسا، والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، والاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا، والمجموعة الاقتصادية والنقدية لوسط أفريقيا، والجماعة الاقتصادية الأفريقية. واستهدفت برامج التكتلات تحقيق التنمية الاقتصادية والتكامل الاقتصادي وتحرير التجارة. 
 
ومثلت الجماعة الاقتصادية الأفريقية، والتي انبثقت عن منظمة الوحدة الأفريقية، أكبر مشروع اقتصادي أفريقي تم إطلاقه عام 1993، حيث تضم 54 دولة  بهدف تحقيق الاندماج الاقتصادى الكامل بينها، ووضع سياسات تجارية موحَّدة ، وإنشاء تعريفة جمركية موحدة بين الدول الأفريقية، بالإضافة إلى إزالة العوائق أمام حرية انتقال الأشخاص والسلع والخدمات ورؤوس الأموال بين الدول الموقعة على الاتفاق.
 
غير أن ما أنجز من هذه الأهداف لا يذكر، إذ ما تزال معظم الاقتصادات الأفريقية ترتبط بالدول الغربية، وتأتي هذه العلاقات على حساب تحقيق تطور في العلاقات البينية الأفريقية، وتوقع الدول الأفريقية في شرك الاستغلال لمصلحة الاقتصادات الأوربية.
 
ولم تؤهل هذه التكتلات دول القارة لتعزيز موقفها التفاوضي على الساحة الدولية. كما تقف الخلافات السياسية والنزاعات المسلحة عائقا أمام تحقيق الأهداف السالفة، وفشلت جهود الوساطة للجم الخلافات ووقف العنف، مما يعني أن هدف التعاون الاقتصادي لازال بعيد المنال. إضف إلى ذلك عُقد البيروقراطية والفساد، حيث تتفق أراء المراقبين بأنه العائق الأكبر أمام مكافحة أدواء القارة والتقدم في مسار التنمية، وساهم في مضاعفة الأثر السالب لهذه المشاكل فتور الحكومات في الالتزام بما اتفق عليه من سياسات وقرارات. كما أرجعت العديد من التقارير فشل تعزيز الروابط الاقتصادية إلى غياب المنظمومة المؤسساتية الموحدة والواقعية والتي تأخذ بالتدرج في الانتقال باتجاه تحقيق التكامل. كما ساهم التفاوت الاقتصادي بين الدول الأفريقية في تعطيل التكامل الأفريقي، ولا تزال الدول الكبرى في القارة تحجم عن الالتزام بآلية لتقليص الفوارق. من ناحية أخرى فإن تخوف الدول الأقل موارداً من أن ترتهن اقتصاداتها إلى الدول الأكثر غنى قاد إلى عرقلة اتفاقات تحرير التجارة، وذلك في ظل غياب سياسات لحماية الدول الفقيرة وضمان استفادتها من إزالة العوائق أمام حركة السلع والخدمات.
 
الاتحاد..هياكل بلا فاعلية
 
تأسيس الاتحاد الأفريقي الجديد لم يقدم ضمان لانجاح مساعي وجهود التكامل الاقتصادي المتعثرة، ولا جديد على صعيد إلزام الدول الأعضاء باستحقاقات العضوية، ولقد كانت أزمتي الصومال والسودان اختبارا قاسيا للجسم الجديد الذي لم تفلح مبادراته وجهوده لوقف تدهور الأوضاع والوصول إلى تسوية للنزاعات بها. وهو ما دعا البعض للحكم على الاتحاد بأنه عملية تفكيك وإعادة تركيب لمكونات قديمة لا يسفر عنها جديد نافع. ويسهم الخلاف حول الانتقال من صيغة التكامل والتنسيق إلى نموذج الاتحاد الكامل في إطار حكومة واحدة، تمثيل خارجي واحد، وقوة دفاعية موحدة، في تشتيت الجهود وتركيز الطاقات، ويحيل دهاليز اجتماعات مؤسسات صناعة القرار الأفريقي ساحات صراع وتنافس تنعكس نتائجها السلبية على المطالب الرئيسية لجموع الشعوب الأفريقية وهي مكافحة الفقر والمرض وتخفيف ضغوط البطالة وتحقيق مستويات كريمة من العيش. فالعقيد القذافي يريدها وحدة اندماجية على غرار ما كان يدعو إليه زمن مشروع الوحدة العربية، ومشروعه يتجاوز الحكم المركزي الفيدرالي  الأفريقي إلى صيغة اندماجية فورية تسقط أمامها كافة المكونات التقليدية للدول القطرية، من حدود وهويات..الخ، وقد نجح في انتزاع موافقة الأعضاء للقبول ما سُمي "سلطة اتحادية" وذلك في قمة أديس أبابا في فبراير الماضي.
 
ويملك العقيد القذافي من النفوذ السياسي والمالي ما يؤهله لانتزاعات موافقة معظم الاعضاء للاقتراب من رؤيته الاندماجية الفورية في القمة التي ستنهي مداولاتها اليوم في مدينة سرت. غير أن هذا لا يعني بحال تحقيق اندماج فاعل وقادر على مواجهة أزمات القارة فضلا عن تحقيق الرفاه لمواطنيها وتعزيز موقفها التفاوضي الدولي وتأثيرها على القرارات التي تحتكرها القوى العظمى. بل إن كلفة الاندماج الفوري المالية ستشكل عبئا على ميزانيات الأقطار.
 
ومن المرشح أن لا يلتزم معظمها بحصتها، وهو ما حدث تماما حين أعلنت العديد من الدول الأعضاء في الاتحاد التزامها بتسخير 10% من ميزانياتها لدعم قطاع الزراعة، الذي يستوعب 80% من القوى العاملة الأفريقية، ولا يسهم إلا بنحو 25% من الناتج الإجمالي، ولم تلتزم بما تعهدت به.
 
وربما ستتحمل الخزانة الليبية العبئ الأكبر باعتبار أن مهندس المشروع هو العقيد القذافي وهو يسعى بقوة لإنجاحه وتذليل العقبات أمامه وعلى رأسها التمويل المطلوب، وأجزم أن انعكاسات التوجه الليبي، بما في ذلك ضخ مزيد من الأموال الليبية في مجاهيل القارة، ستكون خطيرة على المستوى المحلي، إذ ستزيد من سخط الشارع الليبي الحانق من سياسات الانفتاح على الأفارقة، وستعجل وقوع انفجارات داخلية سيضاعف من خطورة أثارها التعثر في مسار التنمية والفشل في تحقيق طموح المواطنين بالتنعم بخيرات البلاد.