9 شباط (فبراير) 2010 10:58:35

آفاق ليبيا اليوم

الثقافة الدستورية (31)

07/09/2008

د.علي الصلابي- إسماعيل القريتلي

                                             حقوق الإنسان (1)

الإطار التشريعي لحقوق الإنسان

تمهيد

انتهينا بحمد الله تعالى من الحديث عن روح الدستور من خلال الحديث عن أصول ستة نعتقد بأن أي وثيقة دستورية يجب أن تصاغ منطلقة من تلك الأصول، والتي كان أولها الإسلام باعتباره دين ومرجعية مجتمعنا وكافة المجتمعات الإسلامية.
 
واعتبار الدور الرسالي للمجتمع والفرد المسلم والذي عبر عنه القرآن الكريم بالاستخلاف كما جاء في سورة البقرة وغيرها من السور، وهو ما يوجب أن يكون قانوننا الأساسي أو الدستور مؤكدا في إجماله وتفصيله على الدور المسؤول للمجتمع المسلم، وبالتالي رفض أي إشارة تحد من هذا الدور، بل يجب أن يتم تنظيم هذا الدور عبر الوثائق الدستورية.
 
ومن الحقائق التي تؤكدها النصوص والتوجيهات الشرعية، والممارسات التاريخية أن المسلمين أمة واحدة يتضافرون على عمل الحق وترك الباطل، ونظرا للواقع السياسي للأمة المسلمة اليوم فإننا نعيش في أوطان عديدة محكومة بظروف وملابسات باتت أقوى من حقيقة أننا أمة واحدة، ولكن هذا يوجب علينا دائما الالتفات إلى هذه الحقيقة لنحقق منها ما تأذن به الظروف والواقع.
 
ومن تلك الأصول الدور المحوري للمجتمع في مقابل السلطة التي نعتقد بأن دورها محصور وجزئي، ولا يمكن مقارنته بالدور المتعدد للمجتمع.
 
وهذا أوجب علينا أن نؤكد على أن السلطة تنبثق وتستمر شرعيتها من المجتمع عبر تطبيق حقيقي لمفهوم الشورى، والذي يعني لدينا حق المجتمع في الاختيار، ودوره في الرقابة على السلطة، ومسؤوليته في إنهاء وجود أي سلطة تخرج عليه أو تتعدى الدور المنوط بها في أي محاولة للاستبداد والتفرد للسلطة أو نقل السلطة بعيدا عن اختيار المجتمع.
 
وأنهينا حديثنا عن الروح بالتذكير بالأصل السادس وهو حماية الحريات، بمعناها الواسع واستندنا في ذلك على أن الحرية حق يولد الإنسان موصوفا بها واستدلينا بذلك بما ورد في القرآن الكريم وسنة محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك ما كان في العهد الراشدي الأول.
 
ومن هذا المقال نشرع بإذن الله تعالى في تفصيل الحقوق التي منحها الإسلام للإنسان، وبالتالي فهي مصونة يجب أن يتم التنصيص على حفظها ورعايتها وتسهيل استمرارها في نصوص واضحة لأي وثيقة دستورية لأي مجتمع مسلم.
 
وسنتناول في حديثنا عن الحقوق مدخلا نظريا يرسم لنا الإطار والتكييف التشريعي لهذه الحقوق. وسنذكر خصائص ومميزات حقوق الإنسان في الإسلام. وبعد انتهائنا من ذلك نسرد أهم تلك الحقوق دون قصد الاستقصاء فليس هذا مجاله، ولكن نذكر ما يكفينا للتأكيد على البنية الحقوقية للتشريع الإسلامي.
 
الإسلام دين إنساني
 
 فالبشر جميعا أسرة واحدة بنظر الإسلام قال تعالى: (يا أيها الناس إن خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم) سور الحجرات. وكل البشر جمعت بينهم العبودية لله تعالى، قال سبحانه: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) سورة الذاريات، والبنوة لآدم عليه السلام، قال صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى" (2) ومسألة التقوى لم تترك لحكم الإنسان بل اختص بها الله تعالى يحاكم إليها الناس في الحياة الأخرى، وهذا ما أكد عليه النبي الكريم بقوله "التقوى ها هنا"(3)  ثلاثا مشيرا إلى صدره. وهذا يدل على أن جميع الناس:
 
1.         متساوون في أصل الكرامة الإنسانية
2.         متساوون في أصل التكليف والمسؤولية دون تمييز بينهم بسبب العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الجنس، أو المعتقد الديني، أو الانتماء الأساسي، أو الوضع الاجتماعي، أو غير ذلك من الاعتبارات، وأن العقيدة والإيمان والتقوى هي الضمان لنمو هذه الكرامة علي طريق تكامل الإنسان.
 
وكذلك اعتبر الله تعالى الخلق كلهم عباد الله، وان أحبهم إليه أنفعهم لعباده، قال صلى الله عليه وسلم: " أحب الناس إلى الله أنفعهم"(4)    
 
وحقوق الإنسان مسألة ملزمة للفرد والمجتمع المسلم، ربطت بالثواب والعقاب فتطبيقها يدخل الجنة ويقرب من الله، وتعطيلها معصية تدخل النار، وتثير غضب الرب، ومصدرها الله الذي خلق الخلق، وسخر لهم ما في الأرض جميعا، وهو أدرى بهذه الحقوق، وأحرص عليها، فالخلق عباد الله، وهو يساوي بينهم في الربوبية، وفي الرزق وفي قانون الحياة، وسنن الكون.
 
وهذا لا شك يوجب على أي مجتمع مسلم أن يلتزم في وثائقه الدستورية وقانونه العام بالاعتراف بحقوق الإنسان وحمايتها واعتبار كل ذلك تعبدا بتنفيذ أوامر وتوجيهات خالق الإنسان سبحانه وتعالى. وهي مسألة تشريعية ليست متروكة لاختيار الإنسان ينفذها أو يتركها قال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) سورة الأحزاب، فمسائل التشريع والأحكام لم تترك للإنسان، بل هي من ثوابت الإسلام التي لا تتغير بمرور الزمان وتغير المكان، ومسائل الحقوق تدخل في باب الأحكام التي نص الإسلام على إطارها العام، وذلك الإطار لا يقبل التغيير والإلغاء.
 
وقد جاءت حقوق الإنسان في الإسلام صريحة في القرآن والسنة، وفي خطبة الوداع أعلن رسول الله صلي الله علية وسلم حقوق الإنسان وكذا في مناسبات عديدة وفي أحاديث كثيرة، سنوردها عند حديثنا عن تلك الحقوق.
 
التوحيد
 
إن هذه الحقوق قائمة على أساس عقيدة التوحيد القائمة على شهادة أن لا إله إلا الله، وأن الله سبحانه وتعالى وحده الخالق البارئ والمتصف بكل صفات الكمال، والمنزه عن كل صفات النقص والمستحق وحده للعبادة والطاعة، وبالتالي فهو سبحانه مصدر تلك الحقوق، وثباتها ناتج من ارتباطها بتشريعات قرآنية وحديثية، وليس لغير الله الحق في إلغاء ما أمر الله به تعالى، وإلا عد ذلك عصيانا وتعطيلا لأحكامه سبحانه وتعالى.
  
الكرامة الإنسانية
 
تأتي حقوق الإنسان في سياق التكريم الإلهي للإنسان، فالقرآن نظر إلى الإنسان باعتباره مستخلفا في الأرض ليعمرها بعبادة الله وطاعته، وتطبيق شريعته وأحكامه، وهو مكلف مسؤول أمام الله تعالى يوم القيامة، قال تعالى (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً). وهنا نتذكر تلك الصرخة المدوية التي ألقاها الفاروق عمر رضي الله عنه في وجه عمرو بن العاص وابنه، ليحمي حق ذلك الفتى النصراني: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"(5)  فالإنسان يولد كريما يملك حقوقا قبل أن يسأل عنها.
 
وحدة النوع الإنساني
 
فالإسلام يعتبر الناس جميعا متفرعين من أصل إنساني واحد، قال تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا) سورة النساء. وهذا يلغي كل الفوارق التي يصنعها الإنسان سواء أكانت على أسس قومية أو اجتماعية أو سياسية أو ثقافية، فلا كرامة تضاف على كرامة الإنسان إلا بتقوى الله تعالى، وهي لم تترك للناس يتحاسبون عليها.
 
ووصف الإسلام تلك الحالة الإنسانية التي تغيب فيها المدنية والسلوك المتحضر جاهلية، فقد ورد أن رجلين من المهاجرين والأنصار تشاجرا فَقَالَ الأَنْصَارِىُّ يَا لَلأَنْصَارِ. وَقَالَ الْمُهَاجِرِىُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ فَسَمِعَ ذَاكَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم فَقَالَ "مَا بَالُ دَعْوَى جَاهِلِيَّة" قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: "دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ"(6)
 
المساواة
 
ومن وحدة النوع تترتب ضرورة المساواة بين الناس، فهم متساوون أمام دين الله وشريعته مهما اختلفت ألوانهم وأجناسهم وأوطانهم وأنهم يتفاضلون بالتقوى كما ذكرنا آنفا.  
 
الحقوق من مقاصد الإسلام
 
مما اتفقت عليه مصادر الإسلام من قرآن وسنة، واجتمعت عليه أفهام واجتهادات فقهاء ومفكري الإسلام، أن للإسلام مقاصد جاء ليحميها وينميها، وهي كلها تتعلق بالإنسان ومنها كما ذكرنا في مقالنا الثلاثين:
 
1-         الدين
2-         النفس
3-         العقل
4-         العرض
5-         الحرية
6-         المال
 
ويضاف إليها النسل كذلك، ولو نظرنا إليها جميعا نجدها مرتبطة ارتباطا وجوديا بالإنسان، فكلها متعلقة بحقه في الوجود والحياة، والاختيار والتعبير والامتلاك وهذه أصول الحقوق التي تنبثق عنها كافة الحقوق الأخرى، وهذا أمر نص عليه علماء الإسلام قديما.(7) 
 
أصناف الحقوق
 
انتهى الفكر الإسلامي الأصولي إلى تقسيم حقوق الإنسان بحسب أهميتها وتأثيرها على وجوده الإنساني إلى أقسام ثلاثة هي:
 
1-         الضرورات
2-         الحاجيات
3-         التحسينيات
 
ويتم تصنيف كل حق تحت أي من تلك الأصناف الثلاثة بناء على ارتباطها الواقعي بحياة الإنسان، وهذا في النهاية يمكن من معرفة الحقوق التي لا تقبل الإسقاط، وتلك التي يمكن أن تسقط إما باختيار الإنسان، أو بضوابط أخرى تهدف إلى الحفاظ على الحقوق الضرورية في حال تعارضت لأسباب موضوعية مع الحقوق الحاجية أو التحسينية.(8)  
 
وهكذا فإن هذه الحقوق قائمة على أساس مراعاة مقاصد الشريعة التي فيها ضمان صلاحية الإنسان والمجتمع.

ــــــــــــــــــــ

للاطلاع على باقي أجزاء السلسلة اضغط هنا

(1) انظر نص الإعلان الإسلامي العالمي لحقوق الإنسان

(2) رواه البيهقي وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: صحيح لغيره، ورواه أحمد في المسند  وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح

(3) أخرجه مسلم في البر عن أبي هريرة رضي الله عنه

(4)أخرجه الطبراني في الكبير وابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج عن ابن عمر رضي الله عنهما، وحسنه الشيخ الألباني

(5)انظر كتاب عمر بن الخطاب للدكتور الصلابي

(6)أخرجه الإمام البخاري

(7)ذكر أبو حامد الغزالي في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد: "إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا، فالمعرفة والعبادة لا يتوصل إليهما إلا بصحة الأبدان، وبقاء الحياة، وسلامة قدر الحاجات، من الكسوة والمسكن، والأوقات والأمن،.. فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية، وإلا فمن كان جميع أوقاته مستغرقاً بحراسة نفسه من سيوف الظلمة، وطلب قوته من وجوه الغلبة، متى يتفرغ للعلم والعمل؟ وهما وسيلتاه إلى سعادة الآخرة؟ فإذن: إن نظام الدنيا، أعني، مقادير الحاجة شرط لنظام الدين"

(8) انظر ما كتبه الإمام الشاطبي في الموافقات تحت عنوان: في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة. قال: «تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق. وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: «أحدها» أن تكون ضرورية. والثاني، أن تكون حاجية. والثالث أن تكون تحسينية. فأما الضرورية فمعناها أنها لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج، وفوت حياة وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين. والحفظ لها يكون بأمرين: «أحدهما» مايقيم أركانها ويثبت قواعدها. وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود. «والثاني» مايدرأ عنها الاختلاف الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم

 

آفاق ليبيا اليوم

أصحاب القرار يحجبون "الكلمة" أم يحجبون أنفسهم؟

العثمانيون (6)

الاقتصاد الإسلامي ( 4 ) الخصائص والأهداف

حرية الرأي والتعبير.. شـــيء مؤسف حقاً

ليبيا الغد والإعلام.. والهبوط قبل الانطلاق!

عُشبة إبليس

الضحك المر

غد ليبيا في أحلام شعبها

أيهما الأول سوء الإدارة أم الفساد الإداري؟ إلى أي مرحلة وصلنا؟

عندما تصب دلاؤنا في حياض الغير

حول انجازات السيد سيف الإسلام القذافي

بصراحة والرزق على الله

صفحات تطويها صفحات

حجب المواقع.. بين قمعهم وعمقنا!

عرب الخارج.!

(خــــــــلود )

الخلخال يرن.. والمصران يزُن

خواطر طائرة مبعثرة (5)

من دفاتر الأيام

الأغنياء والفقراء‮.. ‬عندما تتسع الهوّة‮!‬

 

تعليقات حول الموضوع

لا تعليقات
 
أضف تعليق
الاسم/البريد الالكتروني (اختياري):
عنوان التعليق:
التعليق: